الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية من زلزال المكناسي إلى مدن أكثر أمانًا: دراسة علمية ترسم خارطة الوقاية

نشر في  29 جوان 2026  (19:54)

 أعاد الزلزال الذي ضرب منطقة المكناسي يوم 3 فيفري 2025 إلى الواجهة قضية بالغة الأهمية تتجاوز الجانب الجيولوجي البحت، وتتمثل في مدى جاهزية المناطق الداخلية في تونس لمواجهة المخاطر الطبيعية، وفي مقدمتها الزلازل.

فرغم أن الهزة الأرضية كانت متوسطة القوة، فإنها كشفت عن جملة من التحديات المرتبطة بهشاشة بعض المباني، وضعف ثقافة الوقاية، والحاجة الملحّة إلى إدماج المخاطر الزلزالية ضمن سياسات التهيئة العمرانية والبناء.

وفي هذا السياق، أنجز الطالب بلقاسم قسري، بقسم علوم الأرض بكلية العلوم بصفاقس، دراسة جامعية بإشراف الدكتور مكرم حرزلي، تناولت زلزال المكناسي من منظور علمي متعدد الاختصاصات، يجمع بين الجيولوجيا، وعلم الزلازل، والجيوتقنية، وتحليل هشاشة المنشآت العمرانية.

وتبين الدراسة أن فهم هذا الحدث لا يقتصر على تسجيل قوة الزلزال أو تحديد مركزه، بل يستوجب قراءة شاملة للبنية الجيولوجية للمنطقة، وطبيعة الصدوع النشطة، وخصائص التربة، ومدى مقاومة المباني للهزات الأرضية.

كما تؤكد أن منطقة المكناسي، شأنها شأن العديد من مناطق الوسط التونسي، تقع ضمن مجال تكتوني معقد، الأمر الذي يستدعي اعتماد تخطيط عمراني يأخذ بعين الاعتبار الخصائص الجيولوجية والمخاطر المحتملة. وتشير نتائج الدراسة إلى أن الزلازل المتوسطة قد تتحول إلى كوارث حقيقية عندما تتزامن مع هشاشة النسيج العمراني، وغياب دراسات التربة قبل البناء، وضعف تطبيق المواصفات الفنية الخاصة بالبناء المقاوم للزلازل.

لذلك، فإن الحد من آثار هذه المخاطر لا يقتصر على المختصين في علوم الأرض أو الهندسة، بل يمثل مسؤولية مشتركة بين الدولة، والجماعات المحلية، والبلديات، ومكاتب الدراسات، والمهندسين، إلى جانب المواطنين أنفسهم. وتدعو الدراسة إلى تعزيز ثقافة الوقاية والاستعداد، وإدماج البعد الزلزالي في مشاريع التنمية والتهيئة الترابية، وتحديث التشريعات المتعلقة بالبناء، مع تكثيف عمليات المراقبة الفنية، خاصة في المناطق الداخلية التي غالبًا ما تبقى خارج دائرة الاهتمام إلا بعد وقوع الكوارث.

ويخلص هذا العمل العلمي إلى أن زلزال المكناسي ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره فرصة لاستخلاص الدروس، ومراجعة سياسات إدارة المخاطر الطبيعية، بما يضمن حماية الأرواح والممتلكات، ويعزز قدرة المدن التونسية على الصمود في مواجهة الكوارث. فالاستثمار في الوقاية، والتخطيط العلمي، واحترام معايير البناء، يمثل اليوم أحد أهم ركائز التنمية المستدامة والعدالة المجالية، ويضمن مستقبلاً أكثر أمانًا للسكان في مختلف جهات البلاد.

عيادي